أصبحت إطلالات لاعبي كرة القدم جزءاً من المشهد الرياضي والإعلامي، ولم يعد اللاعب يظهر في الملعب بمهاراته وأدائه فحسب، بل أصبح مظهره أيضاً محل متابعة وتعليق من الجمهور، ومن بين أكثر المظاهر التي تثير النقاش بين الجماهير السعودية بعض قصات الشعر التي يراها كثيرون بعيدة عن الذوق العام، ولا تنسجم مع ما اعتاده المجتمع من البساطة والوقار.
ولا يتعلق النقد هنا بالرغبة في فرض شكل واحد على الجميع، فلكل إنسان مساحة من الاختيار في مظهره، لكن اللاعب المحترف، ولا سيما اللاعب الذي يمثل نادياً أو منتخباً وطنياً، يحظى بمكانة وتأثير يتجاوزان شخصه. فهو قدوة يتابعه الأطفال والشباب، ولذلك يصبح من المشروع أن يناقش المجتمع الرسائل التي قد يحملها مظهر اللاعب الرياضي، إلى جانب أدائه داخل الملعب.
بين الموضة والهوية:
تتغير صيحات قصات الشعر بسرعة، وما يبدو عصرياً في بيئة أو مجتمع قد لا يكون مقبولاً بالدرجة نفسها في مجتمع آخر، والمشكلة ليست في مواكبة الموضة من حيث المبدأ، وإنما في أن يتحول التقليد غير الواعي لبعض الصيحات إلى تراجع عن الذوق المتزن الذي يتناسب مع البيئة الثقافية والاجتماعية للاعب.
والهوية لا تعني الجمود أو رفض كل جديد، بل تعني أن يكون الانفتاح على العالم مصحوباً بوعي بما يتناسب مع القيم المحلية، فاللاعب السعودي يستطيع أن يكون أنيقاً وعصرياً من دون أن يتخلى عن مظهر ينسجم مع مجتمعه وثقافته.
ومن هنا، فإن النقد المسؤول لا ينبغي أن يقول إن كل قصة شعر غريبة هي بالضرورة ضد الدين، بل يدعو اللاعبين إلى أن يكون اختيارهم لمظهرهم متوافقاً قدر الإمكان مع الضوابط الشرعية والآداب العامة، وأن يتجنبوا المبالغة التي تجعل المظهر أكثر لفتًا للانتباه من الأداء الرياضي نفسه.
اللاعب السعودي الذي يرتدي شعار المنتخب الوطني لا يظهر بوصفه فرداً فقط، بل يظهر أمام الملايين بوصفه ممثلاً لبلده في المحافل الرياضية، ولذلك فإن المحافظة على صورة تليق بالمجتمع السعودي ليست مسألة شكلية تماماً.
ويزداد الأمر أهمية عندما يكون اللاعب مشهوراً بين صغار السن، فالأطفال والمراهقون يتأثرون بنجوم الرياضة، وقد يقلدونهم في اللباس وتسريحات الشعر والسلوك، ولهذا فإن الشهرة تحمل مسؤولية، حتى وإن لم تكن كل اختيارات اللاعب مطالبة بأن تكون محل رقابة اجتماعية دائمة.
المحافظة على العادات لا تعني رفض التطور:
المجتمع السعودي مجتمع متغير ومتطور، وقد شهد خلال السنوات الماضية تغيرات واسعة في أنماط الحياة والذوق العام، لكن التطور لا يعني بالضرورة التخلي عن كل ما هو مألوف أو استبدال الهوية المحلية بتقليد نماذج خارجية.
ومن الممكن الجمع بين الأناقة والحداثة من جهة، والاحتفاظ بالوقار والذوق الذي ينسجم مع العادات والتقاليد السعودية من جهة أخرى، فالمطلوب ليس أن يظهر جميع اللاعبين بالشكل نفسه، وإنما أن يكون هناك قدر من الوعي بأن المظهر جزء من الصورة العامة للرياضي المحترف.
النقد المطلوب احترام لا تجريح:
في النهاية، من حق الجمهور أن يناقش الظواهر التي يراها غير مناسبة، لكن النقد ينبغي أن يبقى بعيداً عن السخرية والتنمر والتشهير باللاعبين، فالاختلاف في الذوق لا يبرر الإساءة إلى الأشخاص، كما أن احترام اللاعب لا يعني منع الجمهور من إبداء رأيه.
إن الرسالة الأهم هي أن الرياضة ليست مجرد منافسة داخل الملعب، بل منظومة قيم وسلوك وصورة عامة، واللاعب السعودي يستطيع أن يجمع بين الاحتراف والتميز والأناقة، وبين احترام دينه، وثقافة مجتمعه، وعاداته، وتقاليده.
فالهوية ليست عائقاً أمام الحداثة، والأناقة لا تحتاج إلى المبالغة، والتميز الحقيقي للاعب يبقى أولاً في أخلاقه وأدائه وانضباطه، ثم يأتي مظهره ليكمل هذه الصورة لا ليطغى عليها.
المصدر – جريدة الرياض
