منذ أن وطأت قدماه أسوار النادي لأول مرة، لم تكن العلاقة، علاقة «مشجع» بمدرج، ولا حضور بمباراة، كانت علاقة رجل اختار الكوكب بيتًا ثانيًا، ثم عاش فيه عمرًا كاملًا من المحبة الصافية والخالصة لوجه الله ثم ناديه، دون شرط أو قيد ودون انتظار مقابل.

    أكثر من نصف قرن كامل إبحار وتجديف مستمر من الحب الذي لا يلين أمام تعاقب الظروف، وعلى مدى هذه السنوات الطويلة، تغيّرت الإدارات، وتبدّلت الأسماء والوجوه والأجيال، بل تبدلت المدينة بأسرها، حواريها، مبانيها، وشوارعها، وتبدّل معها المزاج العام والنتائج، يوم يضحك، ويوم يخذل، وحده الشهير بلقب (العم) عبدالرحمن العمري بقي ثابتًا مثل وهج الشمس التي لا تنطفئ، لا يسأل من المسؤول؟ ولا يفاوض على ماذا سأحصل؟ ولا يعلّق حضوره على المركز أو الترتيب، يحضر لأنه عاشق، والعشق هنا أعلى مقامات المحبة وأشدّها أثرًا، قد يسكب في قلب صاحبه لذّةً لا تُوصف، وقد يجرّه إلى وجعٍ قاسٍ، تبعًا لما يكون عليه حال النادي في عينيه، ثم يتحوّل إلى موقف وذكرى مُعلّقة وراسخة في رفوف العمر، تُصان كما يُصان أغلى ما يملك الإنسان، وتبقى شاهدة على أن الانتماء حين يبلغ حدّ العشق يصبح قدرًا لا يُنسى بكل مافيه.

    وحين ضاقت الحال بالكوكب وقبع في دوري المناطق، حيث تقلّ الأضواء وتبتعد الكاميرات وتخفّ الاحتفالات حول الفريق، كانت القلوب تُختبر هناك في الأماكن التي لا يجلس فيها إلا من يملك سببًا أكبر من النتائج، في تلك المرحلة تحديدًا، لم يتوانَ العم عبدالرحمن يومًا عن الحضور والمساندة. كأنما كان يقول بصمته: (الذي نحبّه لا نتركه حين يتعب ونخذله ، بل نقف معه أكثر).

    ولعلّ أجمل وأبلغ ما يلخّص هذا المعنى ما قاله جبران خليل جبران: «المحبة لا تُعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها» وهنا يتجلى معنى الحالة الوجودية حين يعطي فيها الإنسان من عمقه، ويعود عليه أثر العطاء من داخله (نضجًا وامتلاءً) لا من المقابل وحده!.

    قد لا يعرفه الكثيرون من خلال منصات التواصل أو عناوين الجرائد، لكن أبناء النادي ومجتمع الرياضيين بالخرج يعرفون وقع خطواته، وصدق نظراته، وحرارة دعائه ووقفاته، يعرفونه حين يدخل، وحين يسأل عن الفريق بلهفة لا تفتر، وحين يمرّ على الجميع بمحبته، إدارة كانت أو جهازًا أو لاعبًا أو عاملًا بسيطًا في النادي حتى الجدران لو نطقت لقالت اسمه، فدعمه لا يُجزّأ، ومساندته لا تُصنَّف، فهو (داعم للكل) كما عرفه من حوله لأن من يحب ناديه بحق لا يبحث عن بطولة شخصية، بل عن استقامة الروح داخل البيت الذي ينتمي إليه.

    ومثلما في الكوكب (العم) يعلّمنا معنى الثبات، فإن في أنديتنا ومحافظاتنا ومدننا كثيرون يشبهونه في الجوهر رجال يرتبطون بأنديتهم مهما كانت الظروف، يذهبون مع الفريق حيث يذهب، ويقفون معه حين يربح وحين يخسر، دون جلبة ولا ادّعاء، وحين أسلّط الضوء عليهم، أفعل ذلك لنحفظ قيمة إنسانية نادرة: (الوفاء والإنصاف)!.

    ومن هنا تأتي تلك العبارة التي تستحق أن تُقال كلما مرّ نموذج مثل العم عبدالرحمن ، كم من (العم) بيننا؟ ففي نادي الشعلة، على سبيل المثال، يبرز أحمد حامد الجوفي ودبيان آل زريبة كنماذج تشبه العم في التكوين، وتختلف عنه في الانتماء، نفس الروح، نفس الإخلاص، نفس الحضور الذي لا يتغيّر بتغيّر الظروف، فقط ألوان المدرج هي التي تتبدّل، أما المعنى فواحد.

    «وانقلوا عني أنني أقول»: إن في أنديتنا أسماء صنعت بصمتها من خلال إخلاصها مهما تغيرت الظروف والأزمنة، أمثال العم عبدالرحمن العمري، وأحمد حامد الجوفي، ودبيان آل زريبة، هم ذاكرة الأندية الحقيقية، ودرس مفتوح للأجيال أن النادي ليس تسعين دقيقة فقط، بل أعوام من الصبر والصدق والإخلاص والوفاء. وكم من (العم) بيننا، لا نراهم إلا حين نقرر أن ننصفهم ونكتب عنهم ونمنحهم حقهم الأدبي والمعنوي الذي يستحقونه!.

    حمود فالح السبيعي

    المصدر – جريدة الرياض