من سيحكم العالم غداً؟ هل تظل الولايات المتحدة القوة المهيمنة، أم أن الصين أو الهند أو أوروبا ستأخذ زمام القيادة؟ أم أن الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية ستصبح هي القوى الحقيقية؟ هكذا يتساءل المفكر الفرنسي جاك أتالي، في كتابه «غداً.. من سيحكم العالم؟».
يتتبع أتالي في كتابه الذي ترجمته إلى العربية سونیا محمود نجم، المحاولات التاريخية لبسط النفوذ وحكم العالم، من الإمبراطوريات الدينية والسياسية الكبرى إلى بروز الهيمنة الأوروبية ثم الأمريكية، كما يناقش أفكار الفلاسفة مثل كانط حول «السلام الدائم».
* القانون الأممي
يتوالى الكثير من الأسئلة عبر الكتاب، فإذا كان حال العالم سيمضي على هذا النحو، فما الذي يمنع من نشوء حكومة عالمية، لا سيما في ظل عدم قدرة السوق العالمية على بلورة رؤية موحدة من العدالة الاجتماعية، بل عوضاً عن ذلك تسود التفاوتات الطبقية والعرقية، وتنشأ الحروب وتسود القلاقل، وهنا يأخذنا أتالي لمفهوم القانون الأممي، ومن يمتلك المقدرة على تطبيقه، وهل تطبيقه يحتاج لقوة الأخلاق أم لقوة الضبط والبطش التي ترتكن عادة للجيوش والأنظمة ذات القبضة الحديدية؟
ولأنه مفكر إشكالي، فقد ناقش بعمق أبعاد الدور الأوروبي الذي يحدوه الأفول أخيراً، على رغم تراث أوروبا الإنساني الذي لا يزال العالم ينهل منه، وبجانب ما تقدم، فقد فتح أتالي الباب واسعاً لنقاشات حول دور الشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود، وما يمكن أن تقوم به في أزمنة تلاشت فيها المسافات.
في بدايات القرن العشرين قادت الأزمات، ذات السمت الاقتصادي، والتي أضحت سياسية بعد ذلك، وعبرت الأطلنطي إلى الحمائية وإلى صدام، وصف لأول مرة بالعالمي، مرة أخرى تناحر منافسو الإمبراطورية السائدة من الفرنسيين والألمان، وتطاحنوا في حروب تاركين الطرف الثالث (وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تجنبت الخوض في أساس العداء) يستولي على السلطة، وينتقل التمركز، عقب هذه الأزمة، من لندن، ليستقر في واشنطن، عابراً الأطلنطي.
ولأنه مفكر إشكالي، فقد ناقش بعمق أبعاد الدور الأوروبي الذي يحدوه الأفول أخيراً، على رغم تراث أوروبا الإنساني الذي لا يزال العالم ينهل منه، وبجانب ما تقدم، فقد فتح أتالي الباب واسعاً لنقاشات حول دور الشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود، وما يمكن أن تقوم به في أزمنة تلاشت فيها المسافات.
في بدايات القرن العشرين قادت الأزمات، ذات السمت الاقتصادي، والتي أضحت سياسية بعد ذلك، وعبرت الأطلنطي إلى الحمائية وإلى صدام، وصف لأول مرة بالعالمي، مرة أخرى تناحر منافسو الإمبراطورية السائدة من الفرنسيين والألمان، وتطاحنوا في حروب تاركين الطرف الثالث (وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تجنبت الخوض في أساس العداء) يستولي على السلطة، وينتقل التمركز، عقب هذه الأزمة، من لندن، ليستقر في واشنطن، عابراً الأطلنطي.
*إخفاقات
اجتاحت العالم حرب عالمية وديكتاتوريات عاتية وأيديولوجيات كريهة (على حد تعبير أتالي) طالبت هي الأخرى بحكومة للكوكب بأسره، وهو يشير هنا إلى ظهور محاولتين لإقامة حكومة عالمية، جاءت كل منهما عقب صراع، وليس لتحل محله، هاتان المحاولتان تتمثلان في «عصبة الأمم» و«منظمة الأمم المتحدة» وقد أخفقتا: الأولى أمام قدوم النازية، والأخرى نتيجة وجود الحرب الباردة.
يوضح أتالي أنه للمرة الأولى، ونتيجة حيازة البشرية للسلاح النووي، كان يمكن الإقدام على الانتحار، وإدراك مدى ندرة الموارد، وفي عام 1989 وبعد تفتت الكتلة الشرقية، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على العالم، أو هكذا بدا الأمر، وقد أطلقت على هذا الوضع مصطلح «النظام العالمي الجديد».
يسترشد أتالي بما جرى في الألفيات الماضية، للمساعدة على الوصول إلى الإجابة، مؤكداً أنه إذا كان التاريخ ينحو إلى تكرار نفسه، فأمامنا وقت طويل ستبقى فيه الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية، والتقنية المالية والسياسية والثقافية الأولى، في هذا الكوكب، وهذا لا يتنافى مع إمكانية وجود تراجع على الأقل في القيمة النسبية، سنرى أن هناك مركزاً سيضحى «قلب العالم» وسيفرض حكومته مثلما فعل ذلك من قبل الهولنديون الفلمنك وسكان البندقية وجنوة والإنجليز والأمريكيون.
هذا المركز – كما يرى أتالي – لم يتحدد بعد: هل سيكون أمريكياً أم صينياً أم هندياً أم أوروبياً؟ هذا لا يعني على الإطلاق أنه سيكون بوسعه حكم العالم، سيكون بمقدور بلد ما أن يحكم البلدان الأخرى، غير أن ذلك لا يجعلنا نفترض فيه القدرة على مواجهة كل أنواع التهديدات التي تلقي بثقلها على البشرية، لن يتأتى لبلد أو تحالف أو مجموعة العشرين القيام بذلك، فالتاريخ لن يكرر السيناريو ذاته، لن يتسنى لقوة ما، يجعلها قادرة على إدارة شؤون العالم، ولن توجد قوة واحدة باستطاعتها الاضطلاع بهذه المهمة الثقيلة، لن تكون أمريكا حاكمة العالم، ولن تملك الصين لا السبيل إلى ذلك، ولا الرغبة فيه، وكذلك الحال بالنسبة للأوروبيين.
يوضح أتالي أنه للمرة الأولى، ونتيجة حيازة البشرية للسلاح النووي، كان يمكن الإقدام على الانتحار، وإدراك مدى ندرة الموارد، وفي عام 1989 وبعد تفتت الكتلة الشرقية، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على العالم، أو هكذا بدا الأمر، وقد أطلقت على هذا الوضع مصطلح «النظام العالمي الجديد».
يسترشد أتالي بما جرى في الألفيات الماضية، للمساعدة على الوصول إلى الإجابة، مؤكداً أنه إذا كان التاريخ ينحو إلى تكرار نفسه، فأمامنا وقت طويل ستبقى فيه الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية، والتقنية المالية والسياسية والثقافية الأولى، في هذا الكوكب، وهذا لا يتنافى مع إمكانية وجود تراجع على الأقل في القيمة النسبية، سنرى أن هناك مركزاً سيضحى «قلب العالم» وسيفرض حكومته مثلما فعل ذلك من قبل الهولنديون الفلمنك وسكان البندقية وجنوة والإنجليز والأمريكيون.
هذا المركز – كما يرى أتالي – لم يتحدد بعد: هل سيكون أمريكياً أم صينياً أم هندياً أم أوروبياً؟ هذا لا يعني على الإطلاق أنه سيكون بوسعه حكم العالم، سيكون بمقدور بلد ما أن يحكم البلدان الأخرى، غير أن ذلك لا يجعلنا نفترض فيه القدرة على مواجهة كل أنواع التهديدات التي تلقي بثقلها على البشرية، لن يتأتى لبلد أو تحالف أو مجموعة العشرين القيام بذلك، فالتاريخ لن يكرر السيناريو ذاته، لن يتسنى لقوة ما، يجعلها قادرة على إدارة شؤون العالم، ولن توجد قوة واحدة باستطاعتها الاضطلاع بهذه المهمة الثقيلة، لن تكون أمريكا حاكمة العالم، ولن تملك الصين لا السبيل إلى ذلك، ولا الرغبة فيه، وكذلك الحال بالنسبة للأوروبيين.
* حدود الخيال
هذا لا يعني أن الإقدام على التفكير في حكومة للعالم ضرب من الخيال، فالتاريخ يفوق بخياله كل الروائيين، وينبغي انتظار كوارث من النوعية المالية أو البيئية أو الديمغرافية أو الصحية أو السياسية أو الأخلاقية أو الثقافية، على شاكلة ما جرى في اليابان في مارس 2011 تجعل البشر يدركون أن مصائرهم وأقدارهم وثيقة الارتباط ببعضها.
يبدو أن الأمر ليس محسوماً لدى أتالي فهناك تساؤلات عديدة يطرحها، مثل: هل يمكن لهذه الحكومة الديمقراطية الفوق قومية، ممارسة سلطة حقيقية على كل أنحاء الكرة الأرضية، من دون الإبقاء على مناطق الانفلات الأمني المتعددة؟ كيف سيمكنها توزيع الموارد التي تشح يوماً بعد يوم توزيعاً عادلاً؟ هل ستتمكن من تقليل مخاطر واحتمالات الصدام الكوكبي؟ كيف يمكن تفادي فرض شكل جديد من الشمولية على الآخرين، في ذات اللحظة التي تتحرر فيها الشعوب؟ يتساءل أتالي: هل من موعد لظهور هذه الحكومة العالمية؟ سيكون التوقيت – كما يرى – عقب فوضى اقتصادية ونقدية وعسكرية وبيئية وديموغرافية، بل أخلاقية وسياسية عارمة، وهناك احتمالات ضعيفة أن تظهر إلى الوجود، تداركاً لحدوث هذه الفوضى، ومن ثم تبدو علاجاً لصدمة، ويتوقع البعض أن يكون ظهور هذه الحكومة متدرجاً، في خضم الفوضى، من طريق تراكم وتداخل شبكات عدة، تنسجها دول ومؤسسات ونقابات وأحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية وأفراد.
يبدو أن الأمر ليس محسوماً لدى أتالي فهناك تساؤلات عديدة يطرحها، مثل: هل يمكن لهذه الحكومة الديمقراطية الفوق قومية، ممارسة سلطة حقيقية على كل أنحاء الكرة الأرضية، من دون الإبقاء على مناطق الانفلات الأمني المتعددة؟ كيف سيمكنها توزيع الموارد التي تشح يوماً بعد يوم توزيعاً عادلاً؟ هل ستتمكن من تقليل مخاطر واحتمالات الصدام الكوكبي؟ كيف يمكن تفادي فرض شكل جديد من الشمولية على الآخرين، في ذات اللحظة التي تتحرر فيها الشعوب؟ يتساءل أتالي: هل من موعد لظهور هذه الحكومة العالمية؟ سيكون التوقيت – كما يرى – عقب فوضى اقتصادية ونقدية وعسكرية وبيئية وديموغرافية، بل أخلاقية وسياسية عارمة، وهناك احتمالات ضعيفة أن تظهر إلى الوجود، تداركاً لحدوث هذه الفوضى، ومن ثم تبدو علاجاً لصدمة، ويتوقع البعض أن يكون ظهور هذه الحكومة متدرجاً، في خضم الفوضى، من طريق تراكم وتداخل شبكات عدة، تنسجها دول ومؤسسات ونقابات وأحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية وأفراد.
المصدر: جريدة الخليج
