يعتمد التشكيلي في بعض الأعمال على توظيف الفن كحامل للرسائل والمعاني، لذا نجد أن اللوحة في كثير من الأحيان تحمل خطاباً ونصاً بصرياً متعدد القراءات، يختلف فهمه وإدراك معانيه باختلاف المتلقي وخبراته وذاكرته، وحتى درجه قربه من الرموز التي يستحضرها الفنان في عمله.
يحرص الفنان في بناء التكوين العام لعمله على أن يقود عين المتلقي إلى معان قد لا تظهر من الإطلالة الأولى، مستعيناً على ذلك بالتوظيف الصحيح للعناصر الشكلية واللونية في العمل، بحيث يوقظ اللون في نفس المتلقي إحساساً معيناً، كما يستدعي في الرموز ذاكرة بعيدة تلهب المشاعر، وتعمق الترابط الوجداني مع الرسالة الفنية، وهنا يتجاوز الفن التشكيلي حدود الجمال البصري ليصبح وسيلة للتأمل في الإنسان والمجتمع والذاكرة والقيم.
يحرص الفنان في بناء التكوين العام لعمله على أن يقود عين المتلقي إلى معان قد لا تظهر من الإطلالة الأولى، مستعيناً على ذلك بالتوظيف الصحيح للعناصر الشكلية واللونية في العمل، بحيث يوقظ اللون في نفس المتلقي إحساساً معيناً، كما يستدعي في الرموز ذاكرة بعيدة تلهب المشاعر، وتعمق الترابط الوجداني مع الرسالة الفنية، وهنا يتجاوز الفن التشكيلي حدود الجمال البصري ليصبح وسيلة للتأمل في الإنسان والمجتمع والذاكرة والقيم.
*ذاكرة
في هذا الإطار، نتأمل لوحة الفنانة سارة البناي، التي اختارت لها عنوان «كون في تيلة»، والتي تستثير فيها عين المتلقي بخطاب بصري متعدد المستويات، حيث تخاطب الذاكرة والمستقبل والتاريخ، ويلاحظ المتأمل أن هذا العمل يعيد تقديم «التيلة»، اللعبة الشعبية المرتبطة بذكريات الطفولة، داخل فضاء تشكيلي خيالي وسريالي، ويضعها في حوار بصري وفكري مع حصان الشطرنج، لتلتقي في اللوحة ذاكرة اللعب الشعبي مع عالم التفكير والاختيار والاستراتيجية، وبين هذين العالمين، تفتح الفنانة منطقة انتقالية ثالثة تتصل بالتاريخ والتطور والنظرة للمستقبل، من خلال توظيف تواريخ مهمة في تطور دولة الإمارات، كتبت على حلقات محيطة بالتيلة، التي تتحرك داخل فضاء اللوحة.
سارة البناي
تمحور البناء التركيبي للوحة حول «التيلة» التي تسبح في فضاء حالم، ورغم أن هذا العنصر في حجمه المادي قطعة صغيرة، لكنه في الذاكرة الشعبية يحمل حجماً أكبر بكثير من حضوره الحقيقي، ولعل الفنانة أرادت تحويل التيلة هنا إلى ما يشبه الوثيقة التي تؤرخ وتوثق لمرحلة مهمة في بناء الفرد ألا وهي مرحلة الطفولة، التي كانت فيها الألعاب تعتمد على الخيال والتفاعل والمنافسة والمهارة، بعيداً عن عالم الألعاب الرقمية المعاصرة.
هذه الرؤية للعمل تحمل قيمة فنية تلفت النظر، لأن الفنانة وظفت في عملها عنصراً تراثياً صغيراً وحميمياً، ومن خلال هذا العنصر المحدود في حجمه، تستعيد زمناً واسعاً في الذاكرة، وهنا تكمن إحدى جماليات الفكرة في هذا العمل، فالذاكرة الكبرى قد تختبئ أحياناً في أشياء صغيرة جداً.
هذه الرؤية للعمل تحمل قيمة فنية تلفت النظر، لأن الفنانة وظفت في عملها عنصراً تراثياً صغيراً وحميمياً، ومن خلال هذا العنصر المحدود في حجمه، تستعيد زمناً واسعاً في الذاكرة، وهنا تكمن إحدى جماليات الفكرة في هذا العمل، فالذاكرة الكبرى قد تختبئ أحياناً في أشياء صغيرة جداً.
* رمزية
الفضاء الحالم الذي اختارته الفنانة سارة توزعت فيه التيلة بشكل متكرر، وبأحجام وألوان مختلفة، كأنها تنتقل من كونها قطعة منفردة إلى كونها مفردة تشكيلية، تتوزع التيلات وتنتشر بعضها واضح ومضيء، وبعضها يندمج مع الخلفية، وبعضها يبدو كأنه يطفو داخل عالم غير خاضع تماماً لقوانين الواقع، وهذا التوزيع الذكي منح هذا العنصر وظيفة إيقاعية تساهم في بناء عالم خاص يدخل إليه المتلقي مشحوناً بالعاطفة والحنين.
تثير الفنانة عين المتلقي بعنصر غاية في الدقة والذكاء الفني هو «حصان الشطرنج» في منتصف اللوحة، وهذا العنصر له رمزية ودلالة خاصة، فهو قطعة تتحرك بطريقة مختلفة عن بقية قطع الشطرنج، وتملك قدرة على القفز فوق العوائق، وهذه الحركة يمكن أن تقرأ رمزياً بأنها القدرة على تجاوز المألوف، والبحث عن مسارات جديدة، واتخاذ قرارات تكون حاسمة، وهنا يتقاطع الحصان مع طبيعة العمل السريالية، إذ تعيد الفنانة تركيب العلاقات بين العناصر بطريقة جديدة تسمح بتعدد التأويل، وتجعل المتلقي ظاهرياً أمام عالمين مختلفين، التيلة من ألعاب الطفولة الشعبية، وحصان الشطرنج المنتمي إلى لعبة ذهنية قائمة على التفكير والتخطيط والحركة واتخاذ القرار.
تثير الفنانة عين المتلقي بعنصر غاية في الدقة والذكاء الفني هو «حصان الشطرنج» في منتصف اللوحة، وهذا العنصر له رمزية ودلالة خاصة، فهو قطعة تتحرك بطريقة مختلفة عن بقية قطع الشطرنج، وتملك قدرة على القفز فوق العوائق، وهذه الحركة يمكن أن تقرأ رمزياً بأنها القدرة على تجاوز المألوف، والبحث عن مسارات جديدة، واتخاذ قرارات تكون حاسمة، وهنا يتقاطع الحصان مع طبيعة العمل السريالية، إذ تعيد الفنانة تركيب العلاقات بين العناصر بطريقة جديدة تسمح بتعدد التأويل، وتجعل المتلقي ظاهرياً أمام عالمين مختلفين، التيلة من ألعاب الطفولة الشعبية، وحصان الشطرنج المنتمي إلى لعبة ذهنية قائمة على التفكير والتخطيط والحركة واتخاذ القرار.
تنجح الفنانة سارة من خلال تراكم خبراتها في الربط بين العالمين، فالطفولة مرحلة لعب ومتعة، لكن في ذات الوقت هي مرحلة أولى لتكوين مهارات الإنسان، فيها يتعلم الطفل المنافسة، والخسارة والفوز، والتخطيط، واختيار الحركة المناسبة، ومن هذه الزاوية يصبح حصان الشطرنج امتداداً فكرياً للتيلة، وتنجح في وضع المتلقي داخل جو حالم تاركة له مساحة واسعة ليضع ذاكرته الخاصة داخلها، فربما يرى أحدهم تيلته القديمة.
المصدر: جريدة الخليج
