تحمل الرياضة في جوهرها قيم السلام والتقارب بين الشعوب، لكنها في المملكة العربية السعودية باتت تمثل حائط صد قيمي وإنساني في مواجهة المحن. فالاعتداءات الآثمة التي شنتها ميليشيا الحوثي الإرهابية على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، والتي كان من بينها الاستهداف الغادر لمطار الملك خالد الدولي بالرياض، لم تكن مجرد محاولات عبثية لترويع الآمنين، بل تحولت إلى منصة كشفت عن عمق التلاحم الإنساني، والارتباط الوثيق الذي يربط كل من يعيش على هذه الأرض الطاهرة بقيادتها ومجتمعها.

    في غمرة هذه الأحداث المؤلمة، تجلت الإنسانية في أبهى صورها عندما طالت شظايا الغدر برعماً رياضياً واعداً؛ وهو اللاعب وائل السفري، لاعب الفئات السنية بنادي الفيحاء بمحافظة المجمعة.

    لم يكن السفري مجرد مصاب في سجلات الحوادث، بل كان محور لفتة أبوية حانية حركت مشاعر الشارع الرياضي؛ إذ قام معالي وزير الصحة الدكتور فهد الجلاجل بزيارته والاطمئنان على وضعه الصحي بتوجيهات مباشرة من القيادة. هذه الزيارة لم تكن بروتوكولاً رسمياً، بل رسالة بالغة الدلالة تؤكد أن حياة الإنسان وسلامته في المملكة هما الخط الأحمر الذي تسترخص دونه كل الجهود، وأن المواهب الشابة محاطة برعاية فائقة تعزز شعور الانتماء والأمان.

    هذا المناخ الإنساني الفريد لم ينعكس على الداخل السعودي فحسب، بل امتد ليمس قلوب المحترفين الأجانب الذين وجدوا في المملكة وطناً دافئاً وبيئة حاضنة تتجاوز حدود العقود والمستطيل الأخضر. ولعل التفاعل الواسع الذي أحدثه المدافع الدولي التركي ومحترف نادي الأهلي، ميريح ديميرال، عبر منصات التواصل الاجتماعي، يمثل النموذج الأبرز لهذا الارتباط الوجداني. ففي المؤتمر الصحفي، لم يكتفِ ديميرال بتقديم التعازي التقليدية لأسر الضحايا والتمني بالشفاء للمصابين، بل تحدث بنبض المواطن المحب قائلاً: «السعودية هي بلدي الثاني، ولذلك أشعر بحزن بالغ إزاء ما حدث، وأتضامن مع الجميع في هذه الظروف».

    هذه الكلمات العفوية والصادقة تفكك المفهوم الجاف للاحتراف الرياضي، وتثبت أن البيئة الثقافية والاجتماعية في المملكة قادرة على صهر الطاقات العالمية وجعلها جزءاً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي، يشاطره تطلعاته ويقف معه في خندق واحد ضد الإرهاب.

    ولم تقف حدود هذا الانتماء والالتحام الثقافي عند هذا الحد، بل تجسدت في أبهى صورها العالمية فوق مدرجات ملعب الأول بارك بالرياض. فعقب صافرة النهاية لمباراة نادي النصر أمام نيفتشي الأوزبكي في دوري أبطال آسيا للنخبة، وفور تسجيله لهدفه الـ981 في مسيرته الكروية، خطف قائد النصر الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو الأنظار والقلوب بلفتة استثنائية؛ إذ التقط كوفية خضراء تحمل شعار المملكة العربية السعودية، وقام برفع الشعار وتقبيله بكل فخر أمام الجماهير الغفيرة في المدرجات.

    هذا المشهد الاحتفالي الذي وثقه الحساب الرسمي لنادي النصر على منصة إكس لم يكن مجرد تفاعل رياضي عابر، بل تُرجم بعبارة رونالدو الصادقة التي رددها: «أنا برتغالي، ولكني أنتمي للمملكة العربية السعودية».

    إن الالتفاف الشعبي والرياضي حول المصابين، والتقدير البالغ لموقف النجم التركي، يبرهن على أن الاعتداءات الحوثية الغادرة قد فشلت تماماً في تحقيق مستهدفاتها التدميرية. وبدلاً من بث الخوف، أسهمت هذه الأزمات في تعزيز اللحمة الوطنية، وأكدت للعالم أن مجتمع الرياضة في المملكة، بمسؤوليه، ومواهبه الشابة، ونجومه العالميين، يقف على أرضية صلبة من التضامن الإنساني والثقافي، لتظل الملاعب والصروح الرياضية منارات للوعي والسلام والدفاع عن قيم الحياة.

    عبدالكريم بن دهام الدهام

    المصدر – جريدة الرياض