يقول طرفة بن العبد: “إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسلاً فأرسل حكيمًا ولا توصِهِ”، لم أجد ما يختصر تغطية قناة الكأس لـ “خليجي 27” في جدة أفضل من هذا البيت. فحين يكون من ترسله خالد جاسم، لا تحتاج المهمة إلى كثير من الوصايا؛ لأنه يعرف أن التغطية الناجحة لا تلاحق الحدث فقط، بل تلتقط ما يستحق أن يبقى منه. في “المجلس”، لم تكن جدة مجرد ملعب للمباريات، ولم تكن البطولة تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم. كانت المدينة حاضرة بجمهورها وأجوائها وتفاصيلها، وكانت الكاميرا تذهب إلى ما وراء النتيجة، لتقدم للمشاهد الخليجي صورة عن المكان والحدث معاُ. وهنا تكمن قيمة التغطية: أن تنقل الحدث دون أن تختصره، وأن تجعل المشاهد يرى ما وراء الخبر. ولعل كلمة وزير الرياضة الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل كانت أبلغ تعليق، حين قال لقناة الكأس: “أشكر قناة الكأس على التغطية التي استمتعت بها منذ اليوم الأول، وأتمنى أن تواصلوا تغطية كل البطولات والفعاليات التي تقام في السعودية”. هذه ليست مجرد إشادة بتغطية تلفزيونية؛ فهي تؤكد أن الصورة التي قدمتها القناة وصلت إلى الجمهور، كما وصلت إلى المعنيين بالحدث. أما خالد جاسم، فخبرته مع “المجلس” جعلته يدرك أن المقدم الناجح ليس من يملأ الشاشة كلاماً، بل من يعرف كيف يدير الحوار، ويمنح الاختلاف مساحته، ثم يعرف متى يترك الصورة تتحدث. وفي جدة، كانت الرسالة أبعد من كرة القدم. منافسة المنتخبات داخل الملعب قابلها تقارب خليجي خارجه، وتحولت التغطية من متابعة للبطولة إلى نافذة يرى منها المشاهد السعودية وهي تستضيف أشقاءها. وهنا يظهر الفرق بين تغطية الحدث وفهمه. الأولى تلاحق الخبر، والثانية تبحث عن المعنى الذي يبقى بعد انتهائه. ولهذا بدت جدة في “المجلس” أكثر من موقع للبطولة؛ بدت جزءاً من قصتها، وبدت الرياضة مساحة للتعارف، والإعلام وسيلة لتقريب المسافة بين الجمهور الخليجي. وخالد جاسم عرف كيف يستثمر هذه المساحة. ولهذا يعود بيت طرفة إلى مكانه: “فأرسل حكيمًا ولا توصِهِ”. وعليه، فإن قيمة ما قدمه “المجلس” لم تكن في نقل مباريات “خليجي 27” فقط، بل في تحويل التغطية إلى حكاية عن المكان والحدث والجمهور، وهو ما يفسر إشادة وزير الرياضة بها منذ يومها الأول. فحين تعرف من ترسل، لا تحتاج إلى أن توصيه؛ تمنحه المساحة، وتترك له مهمة الوصول إلى الحكاية. وهذا ما فعله خالد جاسم.
    المصدر – جريدة الرياض