من ثنايا الصحراء إلى بروتوكولات الحكم.. فلسفة القرب والإحساس بالرعية

    العدل كممارسة يومية.. كيف حوّل الملك المؤسس القيم إلى أسلوب حياة؟

    على مشهد من التاريخ، وبينما كانت تموجات الرمال تعكس تصارع الظروف التي ترسم ملامح دولة ناشئة تسعى لتثبيت أركانها، توقف موكب الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- على الطريق المؤدي إلى مكة المكرمة بسبب عطل طارئ في أحد إطارات سيارته. وفي ذلك الزمن لم تكن السيارات مجرد وسيلة نقل؛ بل كانت رمزاً لبداية التحول الحضاري، ومع ذلك، ظل الملك متمسكاً ببساطة الصحراء وعفويتها. وبينما هو ينتظر بصبر وسط تلك الفيافي، مر مواطن بسيط لم تمنعه هيبة المشهد ولا كثرة المرافقين من الاقتراب، فسأل بعفوية فطرية لم تدرك بعد من يخاطب: «هل مر عبد العزيز من هنا؟ إنني أريد مالاً للحج».

    لم يكن الملك في تلك اللحظة بحاجة إلى حرس يذودون عنه أو بروتوكولات تعزل الحاكم عن المحكوم، بل فتح قلبه وعقله لهذا المواطن الذي لم يعرفه، واستمع إليه كإنسان مساو له في الحقوق والكرامة الإنسانية، وأمر بمنحه ما يحتاجه فوراً ليعينه على أداء فريضته. هذا الموقف -الذي رصده المهندس الأمريكي كارل تويتشل- يختصر فلسفة عميقة في الحكم ترى «العدل» ممارسة يومية تلقائية لا تحتاج إلى وسيط أو حاجب، وهي فلسفة لم تكن مجرد شعارات سياسية استهلاكية؛ بل كانت نابعة من معدن أصيل يعزز مصداقية الحكمة العربية الخالدة التي تقول إن «الشيء من معدنه لا يستغرب»، والملك عبد العزيز في سلوكه هذا ليس إلا امتداداً أصيلاً لأسرة عريقة تجري في عروقها دماء المبادئ الإسلامية والنخوة العربية، وتضرب جذورها في أعماق الفروسية التي لا تكتمل إلا بالتواضع والرحمة.

    إن هذه الإنسانية التي انبثقت من رمال الصحراء، لم تكن سوى انعكاس لتمسك الملك عبد العزيز بالشريعة الإسلامية التي رسخت قيم الأخلاق قبل أي مواثيق وضعية؛ امتثالاً لقول المصطفى ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقد بدأت هذه الأخلاق من الدائرة الأقرب، وهي دائرة الوفاء والبر بوالده الإمام عبد الرحمن بن فيصل. فقد كشف الملك عبد العزيز عن نموذج فريد في «فقه التعامل» مع الوالدين، متجاوزاً كل ألقاب السلطة ومظاهر الملك. إذ في الوقت الذي كان فيه مؤسساً لدولة مهابة، كان يرفض أن ينادى بالملك في حضور والده، ويقول بلسان الابن البار: «الملك لله ثم للإمام عبد الرحمن». وتجلى هذا النبل في أبهى صوره خلال أداء مناسك الحج؛ فبينما كان الإمام عبد الرحمن يطوف بالكعبة المشرفة، نال منه التعب والإعياء بسبب كبر سنه، فما كان من الملك عبد العزيز إلا أن سارع بحمل والده على ظهره وأكمل به أشواط الطواف. ورغم كثرة الرجال والجنود الذين تمنوا نيل هذا الشرف، إلا أن الملك أصر على أن يقوم بهذه المهمة بنفسه، ليجعل أفعاله -مرة أخرى- تتحدث عن قيم ومبادئ لا يزعزع رسوخها عرش الملك ولا يلهي عنها الانشغال بالرعية.

    ولم تقف حدود هذا البر عند المواقف العامة، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية والخصوصية. إذ يروى أن الملك حين كان يسكن مع والده في مكان واحد، يحرص دوماً على أن يسكن والده في الدور الأرضي لتوفير الراحة له وتجنيبه عناء الصعود، بينما يتخذ الملك من الدور العلوي سكناً له. وكان الملك -بفيض إحساسه وتقديره لراحة والده- يظل ساكناً طوال الليل، ويتحرك في غرفته بحذر شديد لكي لا يسمع والده وقع أقدامه من السقف فينزعج أو يستيقظ من نومه.

    إن هذا «الرقي في السكون» يعكس إنسانية وبراً أبلغ من أن ترصده العيون، بل هو إحساس قلب مؤمن يدرك أن مكانة الوالد مقدمة على هيبة الملك.

    والقيم الإنسانية عند الملك عبد العزيز تتجلى في أشكال عديدة، منها نبذه لكل أشكال التفرقة والتراتبية الطبقية، وكأن مواقفه وأفعاله تردد قول البحتري: «فالأرض من تربة والناس من رجل»، وتدحر الأنانية كما فعل المعري في دعوته لإشاعة الخير، حيث كان الملك يرى أن الخير لا تكتمل قيمته إلا إذا انتظم البلاد والعباد. ففي سياق الحروب وتوحيد البلاد، حيث تظهر معادن الرجال تحت وطأة الضغوط، برز الملك كقائد يشارك جنوده أدق تفاصيل معاناتهم. ففي إحدى المهمات العسكرية الشاقة، لاحظ الملك تعب رجاله وضعف استعدادهم بسبب وعورة الطريق وقسوة الظروف، فما كان منه إلا أن ترجل من على صهوة جواده، وأمر موكبه بالتوقف، ثم قام بخلع نعليه وانطلق يتقدم جنوده حافياً على الرمال اللاهبة والصخور الحادة، صائحاً فيهم: «أنا واحد منكم، أمشي كما تمشون، أنتم حفاة وأنا منكم». هذا الموقف الإنساني حول الجنود إلى طاقة جبارة من العطاء، فقد رأوا في قائدهم إنساناً يقاسمهم الألم قبل أن يقاسمهم النصر. ولم يكن هذا التوجه الإنساني عند الملك عبد العزيز إلا «أسلوب حياة وحكم» نابعاً من إيمانه بأن السلطة تكليف لا تشريف. وقد ظهرت هذه البساطة في استقباله للرحالة والمفكرين العرب والأجانب على حد سواء. إذ يروي الأديب والرحالة أمين الريحاني موقفاً يعكس هذا التوجه: ففي لقاء جمعهما في العقير، افترش الملك الرمال بكل أريحية ونادى ضيفه قائلاً: «تفضل يا أستاذ، اجلس.. هذه أحسن سجادة عندنا»، مشيراً بيده إلى رمال هذه الأرض المباركة. إن هذا القبول بالسجادة الطبيعية (الأرض) كان بمثابة إعلان سياسي وإنساني بأن هذه الدولة تنبت من أرضها، وأن حاكمها لا يأنف من أن يفترش تربتها عاكساً عمق ارتباطه بالوطن الذي يحكمه.

    هذا التواضع الملكي لم يكن موجهاً للضيوف فحسب، بل كان حقاً مكفولاً لكل مواطن. ومن أعظم قصص الوفاء التي خلدتها سيرته: قصة ذلك الرجل البسيط من أهل «العيينة» الذي اعتاد أن ينتظر موكب الملك سنوياً على قارعة الطريق وهو يحمل دلة قهوته، فقط ليسلم على الملك ويقدم له فنجان قهوة. ورغم ضخامة الموكب وأهمية الوقت في الرحلات الملكية، كان الملك عبد العزيز يأمر بالتوقف التام، ويترجل ليتبادل الحديث مع هذا الرجل ويشرب من قهوته، جابراً لخاطره ومقدراً لوفائه. ولم يتوقف هذا النبل عند حياة هذا الرجل، بل حين علم الملك بوفاته بعد سنوات، تأثر كثيراً وترحم عليه، وأمر بصرف معونة مالية دائمة لأهله وذويه، وفاء لتلك الفناجين من القهوة التي قدمت بولاء على طريق السفر. إن هذه الروح الإنسانية وثقها الأطباء الأجانب الذين عاصروه؛ فقد روى الدكتور لويس ديم، أحد أطباء الإرسالية العربية، أن الملك حين أصيب بالتهاب في وجهه عام 1923م، استدعاه على عجل، فاضطر الطبيب لركوب الإبل 40 ساعة متواصلة حتى وصل إلى قصر الملك. والذي أدهش «ديم» هو وضع الملك ثقته الكاملة في طبيب مسيحي في بيئة كانت تتوجس من الأجانب في ذلك الوقت، وفتح أبواب قصره ليعالج هؤلاء الأطباء عامة الناس، مرسلاً رسالة عدل اجتماعي مفادها أن الرعاية الصحية التي يتلقاها الحاكم هي ذاتها المتاحة لسائر الرعية، وأن العلم والطب ضالة المؤمن لا تفرق بين دين أو مذهب.

    وبذات النفس الإنسانية، رأت الدكتورة ماري بروينز أليسون أن حرص الملك على توفير الطبيبات الأجنبيات للنساء في مملكته كان نوعاً من «العدل الإنساني» الذي يحترم خصوصية المجتمع ويوفر له أحدث سبل العلاج، واصفة إياه بأنه كان شخصية «محبوبة بعمق» ليس لمكانته فحسب؛ بل لحرصه الصادق على سماع شكاوى الناس الصغير منها والكبير بقلب مفتوح. إن هذا العدل الملكي لم يكن مقتصراً على مواقف فردية؛ فقد كان الملك عبد العزيز يزاوج بين صرامة القاضي ورحمة الإنسان، وهو ما لاحظه الرحالة البريطاني إلدون روتر في الحجاز بين عامي 1925م و1926م؛ حيث أقام الملك نظاماً قضائياً يعتمد المساواة الصارمة أمام القانون، مما أدى لاختفاء الجريمة والابتزاز الذي كان يعانيه الحجاج قبل عهده. وفضل الملك تنظيم توزيع مياه زمزم والمؤن بعدل إنساني يمنع الاحتكار الذي كان يمارسه بعض الأعيان، ضامناً أن ينعم كل حاج بحقه في السقاية والرفادة دون منة من أحد.

    وهذا الحس الإنساني والعدلي كان حاضراً بقوة في مواقف الملك الدولية الكبرى؛ فقد وثق العقيد ويليام إيدي في لقاء الملك التاريخي بالرئيس الأمريكي روزفلت عام 1945م، أن الملك وضع «مبدأ الحق والعدل» فوق كل المصالح المادية والسياسية، رافضاً بوضوح تهجير اليهود إلى فلسطين، وموجهاً خطابه للعالم بموقفه الصارم: «الظلم لا يبني وطناً»، ومطالباً بعدالة دولية تنصف العرب وتعيد الحقوق لأصحابها.

    وبنفس النبرة القومية والإنسانية، يروي ناصر الحجيلان تأثر الملك العميق بمعاناة الشعوب في المغرب العربي تحت نير الاستعمار الفرنسي. وفي لقائه بوزير الخارجية الإسباني عام 1952م، بدا التأثر واضحاً على محياه، وقال بصوت متهدج يملؤه الأسى: «إن هؤلاء الناس يظلمون في دينهم ولغتهم، وهذا أمر لا يقبله الله». كان يرى -رحمه الله- أن كرامة الإنسان كل لا يتجزأ، سواء كان في نجد أو في أقصى المغرب.

    وفي ختام هذه السلسلة من المواقف الإنسانية للملك عبد العزيز، فلعله من المناسب أن تختتم بموقف يبرهن على نزاهة النفس قبل نزاهة الحكم، ويجسد كيف كان الملك عبد العزيز يراقب ربه في رعيته. فقد روي عنه أنه قابل في إحدى رحلاته جمالاً فقيراً، فرق لحاله وأعطاه صرة مال وانصرف. فلما نبهه السائق بعد مسافة أن الصرة التي أعطاها للرجل بها ذهب لا فضة -وهو مبلغ يفوق ما كان مقصوداً بكثير-، لم يتردد الملك وأمره بالرجوع فوراً للجمال. ولكن المفاجأة لم تكن لاسترداد الذهب، بل لكي ينبه الجمال على قيمة ما معه حتى لا يخدعه أحد لجهله بقيمته، أو يظنها فضة فيبيعها بثمن بخس، قائلاً بلسان المؤمن الواثق: «أعطاه الله وليس أنا».

    إن قراءة سيرة الملك عبد العزيز عبر هذه الشهادات المتنوعة -من أطباء وتقنيين ودبلوماسيين ورحالة- تكشف عن قائد استثنائي لم يكتف بتوحيد الأرض والجغرافيا، بل وحد القلوب حول مفهوم العدالة كفلسفة بناء، والرحمة كأسلوب حكم، والتواضع كمنهج حياة. لقد مات الملك عبد العزيز وبقيت مكارمه مخلدة في ذاكرة الأرض والناس، مصداقاً لأبيات الإمام الشافعي التي تلخص مسيرة هذا العظيم:

    وأفضل الناس ما بين الورى رجل .. تقضى على يده للناس حاجات

    قد مات قوم وما ماتت مكارمهم .. وعاش قوم وهم في الناس أموات

    راشد بن صالح الحمّادي – الزلفي

    المصدر: جريدة الرياض