بين الأقدار الإلهية والتقديرات البشرية تقف أنفسنا حائرة بين ما كان وسيكون فمن حلم رسم في دياجير الليالي إلى سموم الواقع الجديد الذي فرض عليك أسواره وأغلق عليك أبوابه .
ومازال البعض يرفع رآية الاستسلام على حصون الأيام ،فكم من تجربة قاسية قد أخذت بيدنا في رحلة التحدي أبطالها بضع أحلام وخيبات وأخطاء اعتباريه وبين فينة وأخرى نجد ذواتنا تقولبت في إطار حديث أنخنا الركاب بداخله بقليل من الرضا وكثير من الاستفهام هو باختصار تمثيلاً للقانون الرباني (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) صورة مستقبلية جلية تلامس كل أمنية يتيمة بداخلنا والحقيقة الغائبة أن المنع الإلهي في خباياه رحمات العطاء ،فليس كل ماتعطل شر وليس كل ما تحقق خير إنما هي مراحل زمنية كُتِبَ علينا أن نجتازها وفي قوله تعالى (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) دلالة ملهمة على أهمية التقدم الحياتي ،فمسألة الخروج من سراديب الماضي وردم خنادقه مما يحمل في خزائنه الرمادية ليست بالمهمة اليسيرة إذ أن الإنسان السوي يعيش بين أضلاع ثلاث ماضي مضى وحاضر يُعاش ومستقبل يُسعى إليه وتغييب دور أحدهم هو اختلال في المعيار الزمني ،وتكمن المصيبة حين يغادر الإنسان ماضيه ولا يغادره ،لذا فالالتفات إلى الخلف قد يقطع طوق النجاة ويبخس قيمة الحاضر الذي تحياه ،فليست كل تجرّبه أنت الضحية بها لربما كنت القبطان الذي أنقذ المركب من الغرق وستدرك ذلك لاحقاً،ثُّمَ إنَّ أُلفة الماضي بآلامه هو ما يسهم في تشكيل صورة عن المستقبل الذي قد يكون أقل وطأة من قسوة الماضي وذلك عائداً الى ما اكتسبه الفرد من خبرات جعلته اكثر وعياً وأكثر نورا،وهنا اسئلة تجول في نطاق التنوير العقلي ومن أهمها :لماذا نرسم للحلم صورة كاملة لا تنقص ،ولماذا نرى أن الرحلة لا بد أن تسير بخط مستقيم بلا تعثر ،ولماذا ننشد المثالية ونحن نسير بتقدير إلهي لا نحيط بخرائطه ؟
فنحن بشر عرضة للإصابة والخطأ في الاختيارات ، فكيف نطلب المثالية من غد تحجب غيومه عنا تفاصيله .
هذه الزاوية الآمنة في كل موقف أعلنا فيه التراجع قبل الخطوة الأخيرة أو باب أغلق بعد انتظار أو مطلب لم يتحقق هي مساحة نيّرة تطمئن لها النفس وترضى بالروح وتدرك أن المنع هو قمة المنح ،وهو ما يسمى (بالخيرة) فهي منطقة النور بين إرادة الإنسان ومااختاره الله له ،بهذه البصيرة العالية يكن الإنسان على موعد جديد مع الحياة وآمالها وتلك الآحلام المؤجلة ليبني نظرة استباقية معرفية مشبعة بالرضا وتظللها الطمأنينة وتمضي بها الروح على ضفاف الرضا بالقضاء والقدر.
المصدر – جريدة الرياض
