تنوع أساليب عمليات النصب.. وكبار السن الهدف الأسهل

    تحرص الجهات المختصة على نشر الوعي والتحذير من عمليات الاحتيال بصورة دائمة، ومع ذلك، لا تزال هذه العمليات قائمة في وقتنا الحالي، ولا يزال العديد من الأشخاص يقع ضحية لعملية نصب واحتيال جديدة خاصة مع تنوع أساليب هذه العمليات.

    وتنتشر العديد من القصص من مختلف فئات المجتمع. وفي هذا السياق تتحدث سارة آل عريمة -محامية مرخصة بمزاولة مهنة المحاماة- قائلة؛ لا توجد وسيلة احتيال يمكن اعتبارها “الأحدث” بشكل ثابت لأن المحتالين يطورون أساليبهم بصورة مستمرة مستغلين الأحداث والمواسم والخدمات الأكثر استخدامًا لذلك فإن طريقة الاحتيال قد تتغير لكن الهدف يبقى واحدًا وهو الحصول على بيانات الضحية أو أموالها.

    وقالت انه من أخطر أساليب الاحتيال المنتشرة حاليًا تلك التي تتم عبر انتحال صفة البريد السعودي أو البنوك، فعلى سبيل المثال قد تصلك رسالة نصية أو بريد إلكتروني من مُعرّف يبدو مطابقًا تمامًا لمعرّف البريد السعودي تتضمن رابطًا لموقع يحاكي الموقع الرسمي وتفيد بوجود شحنة في طريقها إليك تتطلب سداد رسوم التوصيل وعند الدخول إلى الرابط يُطلب منك إدخال بيانات بطاقتك البنكية ليتمكن المحتالون بعد ذلك من الاستيلاء عليها واستغلالها. لذا حذر البريد السعودي عبر بمنصة اكس من رسائل الاحتيال وقال “عادة ماتدعي رسائل الاحتيال وجود شحنة لك تستدعي تسديد رسوم للتوصيل! بمجرد أن تصلك مثل هذه الرسائل تحقق منها، وسارع بالإبلاغ عنها في حال الاشتباه بالاحتيال عبر الرقم الموحد 19992.”

     وعندما يقع الأشخاص بعملية احتيال تؤكد سارة، انه غالبًا يتم سحب جميع الأموال المتوفرة في البطاقة البنكية للضحية، و استغلال طلبات التمويل: حين يتقدّم الشخص بطلب تمويل (شخصي، سيارات، إلخ)، يتصل به المحتالون منتحلين صفة جهة تمويل معروفة ، ويرشدونه إلى خطوات “مزعومة” لإتمام الطلب، ثم يطلبون منه رمز التحقق، وعبره يتم سحب أمواله.  الأخطر: الإيقاع بالضحية كطرف في عملية احتيال أخرى حين يتواصل المحتالون مع شخص بدعوى وجود عمل مشترك فيحصلون على بياناته الشخصية وحسابه البنكي ويُستخدم هذا الحساب لاستقبال تحويلات من ضحايا آخرين وبمجرد وصول الأموال تسحبها الجهة المحتالة الحقيقية فورًا وتختفي فيتوجه المتضررون بالشكوى ضد صاحب الحساب وهو في الأصل ضحية أيضًا لتتحول القضية إلى قضية جنائية.

    كبار السن.. ضحايا
    

    الاحتيال لقلة الوعي

    تذكر المحامية سارة ان امرأة مسنة اتصلت بي تخبرني بوجود قضية موجهة ضدها بتهمة الاحتيال وسرقة مبالغ مالية.  وبعد الاطلاع على محضر الجلسة السابقة تبيّن أنها هي نفسها ضحية احتيال إذ تواصل معها أحد المحتالين مدّعيًا أن حسابها البنكي سيُستخدم لاستقبال أموال إحدى الشركات مقابل تحويل راتب شهري لها. ونظرًا لكبر سنها وعزلتها الاجتماعية لم تشكّ في الأمر وللأسف استُخدم حسابها للاحتيال على أشخاص آخرين أُقنعوا بتحويل مبالغ مقابل شراء منتج ثم اختفى المحتالون بالمبلغ فور وصوله. ونتيجة لذلك رفع أصحاب المبالغ المسروقة دعوى ضد صاحبة الحساب رغم كونها ضحية هي الأخرى.

    كما تواصل معي عميل آخر يطلب استشارة بشأن وفاة والده بعد تعرضه للاحتيال حيث كان قد تقدم بطلب تمويل فاتصل به شخص منتحلًا صفة موظف بنك وطلب منه رمز التحقق لاستكمال الإجراءات المزعومة.

    وبعد إغلاق المكالمة مباشرة فوجئ بأنه استلم رسالة تفيد بتحويل 50 ألف ريال وهو كامل رصيد حسابه ومدّخراته وبعد المتابعة تبيّن أن صاحب الحساب المُحوَّل إليه المبلغ كان هو الآخر ضحية احتيال وأن الجناة الحقيقيين قد اختفوا وقد ذكر الابن أن والده توفي في اليوم ذاته الذي علم فيه بضياع جميع مدخراته متأثرًا بشدة الصدمة النفسية.

    إذ تؤكد؛ ان الوعي في هذا الجانب مهم للغاية وهو مسؤولية تقع على عاتق المجتمع بأكمله إذ يجب على كل فرد توعية وتحذير من حوله من العائلة والأصدقاء والزملاء.

    أما خطورة الجهل بأساليب المحتالين فقد تتجاوز كل الحدود المتوقعة خصوصًا مع التطور المستمر لأساليب النصب وتنوعها، فالأثر لا يقتصر على الخسارة المالية فحسب بل قد يمتد إلى فقدان أموال جُمعت بجهد وتعب سنوات والدخول في دعاوى قضائية، بل وقد يصل الأمر كما رأينا إلى وفاة الضحية نتيجة الضغط النفسي الهائل الناتج عن الصدمة.

    وشددت سارة قائلة؛ رغم أن الجميع معرض للاحتيال إلا أن الدراسات والتجارب العملية تشير إلى أن كبار السن هم الأكثر استهدافًا واستضعافًا بشكل واضح، لعدة أسباب: كبار السن والأفراد الذين يعانون من الوحدة أو صعوبات مالية هم الفئات الأكثر عرضة لعمليات الاحتيال المالي، يستهدف هذا النوع تحديدًا كبار السن الذين قد يكونون أكثر عرضة لعمليات الاحتيال بسبب التدهور المعرفي أو العزلة الاجتماعية، ويشمل ذلك عمليات الاحتيال الاستثماري واحتيال إصلاح المنازل. الأخطر من ذلك: بعض العمليات الاحتيالية لا يتم التبليغ عنها خصوصًا عندما تكون الضحية من كبار السن وهذا يشجع المحتالين على تكرار جرائمهم لأنها تمر دون عقاب. 

    جهود المملكة

    في محاربة المحتالين

    وعن ابرز العوامل التي تسهم في زيادة الوعي، تقول سارة؛ بذلت المملكة جهودًا كبيرة في هذا المجال، من خلال: نشر إعلانات ورسائل توعوية دائمة تصل لأفراد المجتمع عبر أرقامهم الشخصية وحساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي، فرض عقوبات رادعة وصارمة بحق المحتالين، توفير جهات رسمية متعددة لاستقبال بلاغات النصب والاحتيال، أبرزها منصة أبشر التابعة للأمن العام (عبر: خدماتي و الأمن العام و بلاغات الاحتيال المالي). ومع ذلك، يبقى على عاتق كل مواطن أن ينشر بدوره الوعي بوجود المحتالين وأساليبهم وطرق الوقاية منهم من خلال تحذير من حوله، واستغلال حسابات التواصل الاجتماعي لنشر هذه المعلومات، والإبلاغ عن أي حالة احتيال حتى لو كانت مجرد اشتباه.

    ومن أبرز صفات المحتالين إلحاحهم على طلب المعلومات الشخصية وتوجههم الدائم نحو الحسابات التي يمكن الوصول من خلالها إلى الأموال مباشرة.

    كما تطرقت سارة عن أهم الإجراءات التي يستوجب القيام بها فور الوقوع بعملية نصب واحتيال قائلة؛ توثيق جميع المحادثات والمكالمات التي جرت مع المحتال وحفظ كل ما يمكن حفظه من معلومات تخصه، التوجه فورًا إلى أقرب مركز شرطة -إن امكن-، الإبلاغ عبر الجهات الرسمية المخصصة لاستقبال بلاغات النصب والاحتيال مثل منصة أبشر (خدماتي والأمن العام و بلاغات الاحتيال المالي).

    نشر الوعي..

    مسؤولية اجتماعية

    في ظل التطور المتسارع لأساليب الاحتيال المالي والإلكتروني لم يعد التصدي لهذه الظاهرة مسؤولية الجهات الأمنية والمصرفية وحدها بل أصبح واجبًا يقع على عاتق كل فرد في المجتمع خاصة تجاه الفئات الأكثر عرضة لهذا الخطر مثل كبار السن فالمحتالون يطورون أساليبهم باستمرار من انتحال شخصية موظفي البنوك إلى رسائل الفوز بجوائز وهمية وصولًا إلى طلبات تحديث البيانات البنكية عبر مكالمات أو رسائل مفاجئة وأمام هذا التطور يصبح الوعي الأسري خط الدفاع الأول قبل أي إجراء رسمي. ويبدأ نشر هذا الوعي من داخل المنزل عبر جلسات حوار بسيطة وهادئة مع الوالدين وكبار السن يشرح خلالها أفراد العائلة أبرز أساليب الاحتيال المتداولة بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد التقني مع التذكير الدوري بها حتى ترسخ في الذهن كما تسهم مشاركة قصص وتجارب واقعية دون ذكر أسماء في جعل الخطر ملموسًا وليس مجرد معلومة نظرية عابرة. ولا تقل وسائل التواصل الاجتماعي أهمية عن الحوار المباشر إذ يمكن للأفراد استغلال حساباتهم الشخصية لإعادة نشر المحتوى التوعوي الصادر عن الجهات الرسمية ومشاركة الصوة والفيديوهات القصيرة التي توضح علامات الاحتيال وطرق التعامل معه، بما يوسع دائرة الوعي لتشمل أكبر عدد ممكن من الناس.

    ومن الجوانب المهمة أيضًا تأكيد حقيقة أساسية: الجهات الرسمية، كالبنوك، لا تطلب أبدًا كلمات المرور أو رموز التحقق عبر الهاتف أو الرسائل النصية.  لذا يُنصح بتشجيع كبار السن على عدم اتخاذ أي قرار مالي تحت الضغط والتواصل مع أحد أفراد الأسرة أولًا قبل إجراء أي تحويل أو دفع، وفي حال التعرض لأي محاولة احتيال أو حتى الاشتباه بها يبقى الإبلاغ الفوري للجهات المختصة خطوة أساسية لا غنى عنها، إذ لا يقتصر أثرها على حماية الشخص المتضرر فحسب بل يسهم في حماية آخرين قد يكونون عرضة للاستهداف بالأسلوب ذاته. وبهذه الجهود المجتمعية البسيطة يتحول كل فرد من متلقٍّ سلبي للمعلومة إلى شريك فاعل في نشر الوعي وحلقة أساسية في حماية المجتمع من مخاطر الاحتيال المتجددة.

       

    الوعي.. خط الدفاع الأول
    

    وتعلق سارة في سياق استرجاع الأموال قائلة؛ يعتمد ذلك على سرعة الإبلاغ وظروف كل حالة فكلما كان البلاغ أسرع زادت فرص اتخاذ إجراءات عاجلة قد تساعد في الحد من الضرر، إلا أنه لا يمكن ضمان استرداد الأموال في جميع الحالات خاصة إذا تمكن المحتالون من تحويلها إلى حسابات متعددة أو خارج المملكة ولذلك تبقى الوقاية والوعي هما الوسيلة الأهم للحماية.

    وعن عقوبة المحتال تذكر؛ نصّ نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة في مواده الإحدى عشرة على عدد من العقوبات، من أبرزها: المادة الأولى “يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سبع سنوات، وبغرامة مالية لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل من استولى على مال للغير دون وجه حق بارتكابه فعلاً (أو أكثر) ينطوي على استخدام أيٍّ من طرق الاحتيال، بما فيها الكذب، أو الخداع، أو الإيهام”. المادة الثانية “يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمس سنوات، وبغرامة مالية لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كل من استولى دون وجه حق على مال سُلّم إليه بحكم عمله أو على ســبيل الأمانة، أو الشــراكة، أو الوديعــة، أو الإعارة، أو الإجـارة، أو الرهن، أو الوكالة، أو تصرف فيه بسوء نية، أو أحدث به ضرراً عمداً، وذلك في غير المال العام.” المادة الثالثة “يعاقب كل من حرض غيره، على ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام، أو اتفق معه، أو ساعده؛ إذا وقعت الجريمة بناء على هذا التحريض أو الاتفاق أو المساعدة، بما لا يتجاوز الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها، ويعاقب بما لا يتجاوز نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها إذا لم تقع الجريمة الأصلية.”

    أود التأكيد على أن المحتالين يطورون أساليبهم باستمرار، لذلك لا ينبغي الاطمئنان لأي رسالة أو اتصال أو رابط لمجرد أنه يبدو رسميًا. فالتحقق قبل مشاركة أي معلومات شخصية أو مالية هو خط الدفاع الأول ضد الاحتيال. كما أن نشر الوعي لا يقتصر على حماية أنفسنا فقط، بل يمتد لحماية أسرنا ومجتمعنا، فربما تكون معلومة بسيطة تنقلها لأحد أفراد عائلتك سببًا في حمايته من الوقوع ضحية لعملية احتيال. وأخيرًا، فإن الوعي واليقظة هما السلاح الأقوى في مواجهة المحتالين، وكلما ارتفع مستوى الوعي في المجتمع ضاقت الفرصة أمامهم في استغلال ضحايا جدد.

    المحتال لا يعتمد على ذكائه بقدر ما يعتمد على استعجال الضحية أو ثقتها أو قلة وعيها، ولذلك فإن التحقق قبل التحويل أو مشاركة أي معلومة مالية قد يوفر على الإنسان سنوات من النزاعات والخسائر. والوعي اليوم لم يعد خيارًا، بل أصبح مسؤولية مشتركة لحماية أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا.

    المصدر: جريدة الرياض