
تتأثر بشرتنا بما هو أبعد من العمر والوراثة؛ فالتعرض للشمس، التلوث، التوتر، جودة النوم والعادات اليومية تترك تأثيرات متراكمة في خلاياها. هنا يأتي علم التخلق أو Epigenetics ليكشف جانباً مختلفاً من شيخوخة البشرة، من خلال دراسة الطريقة التي يمكن بها لهذه العوامل أن تؤثر في نشاط الجينات من دون تغيير الحمض النووي نفسه.
هذا الفهم الجديد يلفت اهتمام عالم الجمال إلى فكرة أكثر عمقاً: ربما لا يتعلق الحفاظ على شباب البشرة بما نضعه عليها فقط، بل أيضاً بالبيئة التي نعيش فيها والطريقة التي نعتني بها بأنفسنا. ومن هذه النقطة ظهر مفهوم Epigenetic Beauty، الذي يحاول ترجمة هذه الاكتشافات إلى مقاربات جديدة للعناية بالبشرة.
اقرئي أيضاً: روتين العناية بالبشرة في الطائرة
ما المقصود بـ Epigenetic Beauty؟
لفهم مفهوم Epigenetic Beauty، نحتاج أولاً إلى معرفة معنى علم التخلق أو Epigenetics. ببساطة، هو العلم الذي يدرس الطريقة التي تتحكم بها الخلايا في تشغيل الجينات أو إيقافها من دون تغيير الحمض النووي نفسه. بمعنى آخر، تبقى الجينات كما هي، بينما يمكن للعوامل المحيطة بنا أن تؤثر في طريقة عملها.
في البشرة تحديداً، تكتسب هذه الفكرة أهمية مع دراسة تأثير الأشعة فوق البنفسجية والتلوث والتوتر وقلة النوم ونمط الحياة في نشاط بعض الجينات المرتبطة بتجدد الخلايا وإنتاج الكولاجين والاستجابة للإجهاد. وقد تترك هذه العوامل بصمة على الطريقة التي تتعامل بها البشرة مع التقدم في العمر.
انطلاقاً من ذلك، ظهر مفهوم Epigenetic Beauty في عالم العناية بالبشرة، مع اهتمام بتطوير مكوّنات وتركيبات تستهدف دعم وظائف الخلايا وقدرتها الطبيعية على التجدد ومقاومة الإجهاد. وتشمل الأبحاث الببتيدات ومضادات الأكسدة وبعض المستخلصات النباتية، مع تفاوت الأدلة العلمية حول مدى تأثيرها المباشر في الآليات فوق الجينية.
وتفتح قابلية بعض التغيرات فوق الجينية للتبدل مجالاً مهماً أمام أبحاث شيخوخة البشرة، خصوصاً في دراسة العمر البيولوجي للجلد. لكن هذا التوجه لا يعني قدرة مستحضرات التجميل على إعادة برمجة البشرة أو عكس عمرها البيولوجي؛ فهذه التطبيقات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية لإثبات فعاليتها بصورة واضحة.
كيف تتغير البشرة مع التقدم في العمر على المستوى الجيني؟
مع مرور السنوات، تمرّ خلايا البشرة بتغيرات تؤثر في قدرتها على التجدد والحفاظ على تماسكها ومرونتها. ويحدث ذلك نتيجة عوامل داخلية مرتبطة بالعمر، إلى جانب تأثيرات خارجية مثل الأشعة فوق البنفسجية والتلوث والإجهاد التأكسدي.
ومن أبرز هذه التغيرات قِصر التيلوميرات، وهي أجزاء صغيرة تحمي نهايات الكروموسومات وتصبح أقصر مع انقسام الخلايا المتكرر. ومع الوقت، تتباطأ قدرة بعض الخلايا على الانقسام والتجدد، فتحتاج البشرة إلى وقت أطول للتعافي.
في المقابل، تتغير أيضاً الطريقة التي تعمل بها بعض الجينات، وهي النقطة التي تكتسب فيها Epigenetics أهمية خاصة. فقد تؤثر العوامل البيئية ونمط الحياة في نشاط الجينات المرتبطة بتجدد البشرة وإنتاج الكولاجين، من دون تغيير الحمض النووي نفسه.
وتنعكس هذه التغيرات تدريجياً على مظهر البشرة؛ إذ يتراجع إنتاج الكولاجين، وتضعف مرونتها، وتصبح عملية إصلاحها أبطأ. لذلك ترتبط شيخوخة البشرة بمجموعة متداخلة من العوامل، وليس بالعمر وحده، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بدراسة تأثير نمط الحياة والبيئة في عمر البشرة البيولوجي.
اقرئي أيضاً:ما هي أفضل منتجات العناية بالبشرة ٢٠٢٦؟
التوتر والشمس والتلوث.. عوامل تترك بصمتها على البشرة
تتعرّض البشرة يومياً لعوامل يمكن أن تسرّع ظهور علامات التقدم في العمر، من الأشعة فوق البنفسجية والتلوث إلى التوتر النفسي. ومع تكرار هذا التعرض، تتراكم الأضرار التي تؤثر في قدرة البشرة على حماية نفسها وتجددها، ما قد ينعكس على مرونتها ونضارتها وحاجزها الواقي.
تُحفّز الأشعة فوق البنفسجية وبعض ملوثات الهواء ما يعرف بالإجهاد التأكسدي، فتتولد جزيئات تضر بخلايا البشرة وتؤثر في الكولاجين والألياف المرنة. لذلك يرتبط التعرض المتكرر بالشمس والتلوث بظهور التجاعيد وفقدان التماسك وتفاوت لون البشرة.
إلى جانب ذلك، يترك التوتر النفسي أثره الخاص؛ إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع هرمونات التوتر إلى زيادة إفراز الدهون لدى بعض الأشخاص، كما يؤثر في وظيفة الحاجز الجلدي وقدرة البشرة على التعافي. وقد تظهر هذه التأثيرات في صورة حساسية أو جفاف أو تفاقم بعض المشكلات الجلدية.
وتزداد أهمية هذه العوامل عند اجتماعها، فالتعرض المستمر للشمس مع التلوثوالتوتر يضع البشرة تحت ضغط متواصل. لذلك يرتبط مفهوم Epigenetic Beauty بفهم هذه التأثيرات على المدى الطويل، ودراسة الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها البيئة ونمط الحياة في شيخوخة البشرة ووظائفها.
هل يمكن لنمط الحياة أن يبطئ شيخوخة البشرة؟
لا شكّ أنّ التعرّض المتكرر للأشعة فوق البنفسجية، التدخين، النظام الغذائي غير المتوازن، قلة الحركة واضطراب النوم يمكن أن تزيد الإجهاد التأكسدي وتؤثر في الكولاجين وحاجز البشرة.
وتأتي الحماية من الشمس في مقدمة الخطوات، إذ يساعد الاستخدام اليومي لواقي شمس واسع الطيف على الحد من أضرار الأشعة فوق البنفسجية. كما يدعم النظام الغذائي الغني بالخضروات والفواكه ومصادر مضادات الأكسدة صحة البشرة، بينما يرتبط الإفراط في السكر بعمليات قد تؤثر في مرونة الكولاجين.
إلى ذلك، تساعد الحركة المنتظمة على دعم الدورة الدموية وصحة الخلايا، في حين يمنح النوم الجيد البشرة وقتاً مهماً للتعافي وتجديد حاجزها الواقي. لذلك ينظر مفهوم Epigenetic Beauty إلى العناية بالبشرة ضمن صورة أوسع، تشمل ما نضعه عليها، إلى جانب الطريقة التي نعيش بها يومياً.
العناية بالبشرة من منظور Epigenetics
تستند العناية بالبشرة من منظور Epigenetic Beauty إلى دراسة التغيرات التي تؤثر في طريقة عمل الجينات من دون تغيير الحمض النووي نفسه. ومع التقدم في العمر والتعرض للشمس والتلوث والتوتر، قد تتغير هذه الآليات، ما يؤثر في تجدد الخلايا وإنتاج الكولاجين وقدرة البشرة على التعامل مع الإجهاد.
ومن هنا تبحث الأبحاث في مكونات يمكن أن تدعم هذه العمليات، مثل الببتيدات وبعض المستخلصات النباتية ومضادات الأكسدة. كما يحتل الريتينويد مكانة مهمة في هذا المجال بفضل تأثيره المعروف في تجدد الخلايا وتنظيم بعض العمليات المرتبطة بوظيفة البشرة.
إلى جانب المستحضرات الموضعية، تدرس الأبحاث إمكانية الجمع بين هذه المكونات وبعض الإجراءات التجميلية، مثل الليزر والترددات الراديوية، لدعم إنتاج الكولاجين وتحسين بنية الجلد. ومع ذلك، لا يعني وصف المنتج بأنه «Epigenetic» أنه يغيّر الحمض النووي أو يعيد كتابة الجينات؛ الفكرة ترتبط بالتأثير في طريقة عمل بعض الجينات وتنظيمها. ولا يزال هذا المجال حديثاً، مع تفاوت الأدلة العلمية من مكوّن إلى آخر.
Epigenetic Beauty ترند علمي أم مستقبل جديد لمكافحة شيخوخة البشرة؟
يقف مفهوم Epigenetic Beauty اليوم عند نقطة تلتقي فيها الأبحاث العلمية مع صناعة التجميل. فالدراسات تشير إلى أن عوامل مثل الأشعة فوق البنفسجية والتلوث والتوتر ونمط الحياة يمكن أن تؤثر في طريقة عمل بعض الجينات داخل خلايا البشرة، من خلال تغيرات فوق جينية لا تغيّر تسلسل الحمض النووي نفسه. وتثير هذه النتائج اهتماماً متزايداً بإمكانية دعم آليات الحفاظ على شباب البشرة على المستوى الخلوي.
في المقابل، لا تعني هذه الاكتشافات أن كل منتج يحمل اسم Epigenetic يستطيع فعلياً «إعادة برمجة» البشرة. بعض التركيبات تعتمد على مكونات معروفة مثل الريتينويدات ومضادات الأكسدة والببتيدات، وقد تدعم صحة البشرة ووظائفها، لكن مستوى تأثيرها المباشر في الآليات فوق الجينية يختلف من مكوّن إلى آخر، كما تختلف قوة الأدلة السريرية المتاحة.
وتزداد أهمية التمييز بين البحث العلمي واللغة التسويقية مع انتشار مصطلحات مثل «إعادة ضبط عمر البشرة» و«تنشيط جينات الشباب». فوجود تغيرات فوق جينية قابلة للتعديل لا يعني بالضرورة إمكانية عكس شيخوخة البشرة بالكامل. لذلك، يبقى Epigenetic Beauty مجالاً علمياً مثيراً للاهتمام، لكن تقييم أي منتج يجب أن يستند إلى المكونات المستخدمة، وطريقة عملها، والأدلة السريرية التي تثبت فعاليتها، لا إلى المصطلح التسويقي وحده.
المصدر: ماري كلير أرابيا
