محتوى إعلامي … برعاية “ويسترن ديجيتال”
إرساء أسس البيانات لمستقبل الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية
وضعت المملكة العربية السعودية رؤية طموحة لترسيخ مكانتها كدولة رائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي. وتسهم الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية الرقمية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والقدرات السحابية، والبرامج الوطنية للذكاء الاصطناعي في تسريع وتيرة تبني هذه التقنيات عبر مختلف القطاعات، كما يشكل تطوير الكفاءات المحلية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي. ومع انتقال المؤسسات من مرحلة التجارب إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في صميم عملياتها التشغيلية، يبرز تحدي جديد يتمثل في بناء بنية تحتية متكاملة لتخزين البيانات تتيح توسيع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة.
وغالباً ما تتركز النقاشات حول الذكاء الاصطناعي على قدرات الحوسبة والنماذج المتقدمة، إلا أن النجاح على المدى الطويل بات يعتمد بشكل متزايد على كيفية إدارة المؤسسات للبيانات التي تغذي هذه الأنظمة وحوكمتها والحفاظ عليها. ويعكس هذا الأمر تحولاً هاماً في طريقة تفكير قادة الأعمال والتكنولوجيا، فقدرات الحوسبة توفر القوة اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن البيانات هي التي تحدد جودة النتائج التي تنتجها هذه الأنظمة وموثوقيتها وقيمتها.
على مدى سنوات، ارتبط احتفاظ المؤسسات بالبيانات بشكل رئيسي بمتطلبات الامتثال، والتعافي من الكوارث، واستمرارية الأعمال. إلا أن الذكاء الاصطناعي بات اليوم يعيد صياغة هذه المعادلة، إذ أصبحت البيانات التاريخية تمثل أصول استراتيجية تتيح للمؤسسات إعادة تدريب النماذج، والتحقق من أدائها، وتحسين دقتها بمرور الوقت، واستخلاص رؤى جديدة من البيانات المتاحة لديها. وبعبارة أخرى، ترتبط فعالية الذكاء الاصطناعي ارتباطاً مباشراً بمدى قوة وكفاءة البنية التحتية لتخزين البيانات التي تقوم عليها أنظمته.
ويحمل هذا التحول دلالات مهمة للمؤسسات في المملكة العربية السعودية، لا سيما في القطاعات الخاضعة لأطر تنظيمية صارمة، مثل الخدمات المصرفية والرعاية الصحية والاتصالات، حيث لطالما شكل الاحتفاظ بالبيانات السابقة ضرورة لتلبية متطلبات التدقيق والامتثال التنظيمي. وباتت هذه البيانات نفسها توفر الآن سياقاً أعمق يسهم في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحسينها مع تغير ظروف الأعمال، لتتحول بذلك من متطلب للامتثال إلى مورد يعزز القدرة التنافسية.
إدارة الذكاء الاصطناعي في عالم متغير
لا تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي في بيئات ثابتة، إذ تتفاعل باستمرار مع التغيرات في سلوك المتعاملين، وتطور الظروف التشغيلية، وتحولات ديناميكيات السوق، ما قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع أدائها في ظاهرة تُعرف باسم “تحول النموذج”. ويتطلب الحفاظ على دقة هذه النماذج وموثوقيتها إمكانية الوصول إلى البيانات التاريخية للاستفادة منها في إعادة تدريب النماذج، ومقارنة النتائج بمعايير مرجعية، والتحقق من أدائها بمرور الوقت.
وفي ظل هذا التحول، أصبحت البيانات التي كان ينظر إليها في السابق باعتبارها محتوى محفوظاً في الأرشيف مورداً استراتيجياً. وستكون المؤسسات القادرة على حفظ بياناتها وحوكمتها والاستفادة منها بكفاءة في موقع أفضل لمواصلة تحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي واستخلاص قيمة مستدامة من استثماراتها على المدى الطويل.
وتسهم هذه القيمة الاستراتيجية المتنامية للبيانات أيضاً في تعزيز أهمية مبادئ الحوكمة والسيادة. فمع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، تحتاج المؤسسات إلى ضمان تخزين بياناتها وإدارتها وحمايتها بما يتوافق مع متطلباتها التشغيلية والتزاماتها التنظيمية. ويبدأ تحقيق السيادة الفعالة على البيانات بوضع استراتيجية مدروسة للبنية التحتية للتخزين، تحقق التوازن بين الامتثال والأداء واحتفاظ المؤسسات بالسيطرة على بياناتها.
وتتزايد حدة هذا التحدي مع اتساع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فعلى خلاف تطبيقات المؤسسات التقليدية، تولد بيئات الذكاء الاصطناعي باستمرار كميات هائلة من البيانات الجديدة، من خلال عمليات الاستدلال وتفاعلات المستخدمين وسجلات الأنظمة والبيانات الاصطناعية والبيانات الوصفية التشغيلية. ومع توسع نطاق تبني الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة، يفرض هذا النمو المتسارع في البيانات متطلبات جديدة على البنية التحتية تتجاوز مسألة السعة التخزينية وحدها.
ومن هنا، تكتسب بنية التخزين أهمية أكبر عند الحديث عن مدى جاهزية المؤسسات للذكاء الاصطناعي. فالحلول المصممة للمشاريع التجريبية أو التطبيقات على مستوى الإدارات غالباً ما تواجه صعوبة في مواكبة تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق المؤسسة بأكملها. وفي غياب استراتيجية طويلة الأمد للبنية التحتية، تواجه المؤسسات مخاطر متزايدة تتمثل في تعقيد بيئاتها التقنية، وارتفاع التكاليف، وظهور قيود قد تحد من قدرتها على النمو والتوسع في المستقبل.
تطوير بنية تحتية قابلة للتوسع
ولمواجهة هذه التحديات، تتجه المؤسسات بشكل متزايد إلى اعتماد بنى تخزين متعددة المستويات، توافق بين التقنيات المختلفة والمتطلبات المحددة لكل عبء من أعباء العمل. وبصورة مبسطة، توفر محركات الأقراص ذات الحالة الصلبة (SSD) عالية الأداء السرعة اللازمة للتطبيقات الحساسة لزمن الاستجابة، مثل عمليات الاستدلال النشطة، في حين توفر محركات الأقراص الصلبة (HDD) عالية السعة منصة اقتصادية وقابلة للتوسع للاحتفاظ بالبيانات السابقة، وسجلات الأنظمة، ومخرجات النماذج، ومستودعات المعرفة التي تتراكم مع مرور الوقت.
ويعكس هذا النهج المتوازن تحولاً أوسع في معايير تقييم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الأداء وحده معياراً كافياً. فمع توسع هذه البيئات، يتعين على المؤسسات أن تضع في الحسبان أيضاً المرونة، والاستدامة، وحوكمة البيانات، والتكلفة الإجمالية للملكية. وتتمثل الاستراتيجيات الأكثر فاعلية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تلك التي تراعي هذه الأبعاد الأربعة منذ البداية، بدلاً من التعامل معها كاعتبارات ثانوية في مراحل لاحقة.
ويشهد قطاع التخزين تطورات متسارعة لمواكبة هذه المتطلبات المتغيرة، حيث تتيح تقنيات متقدمة مثل التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، وتقنية محركات الأقراص ذات النطاق الترددي العالي (HBDT)، وتقنية UltraSMR، للمؤسسات تخزين كميات أكبر بكثير من بيانات الذكاء الاصطناعي بكفاءة أعلى. ولا تمثل هذه الابتكارات مجرد تحسينات تدريجية، بل تشكل نقلة نوعية في قدرات حلول التخزين عالية السعة على تلبية متطلبات أعباء عمل الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، بات هذا التطور يفتح آفاق واعدة في توقيت بالغ الأهمية، لا سميا بعد أن رسخت المملكة التزامها ببناء قدرات عالمية المستوى في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال استثمارات متواصلة في البنية التحتية والابتكار والتحول الرقمي. ومع نضج تبني الذكاء الاصطناعي، ستعتمد القدرة التنافسية بشكل متزايد على مدى قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالبيانات التي تمكّن النماذج من التطور والتكيف ومواصلة تحقيق القيمة بمرور الوقت.
ولن تتحدد ملامح المرحلة المقبلة من مسيرة الذكاء الاصطناعي في المملكة بالتقدم في قدرات الحوسبة وحدها، بل أيضاً بقوة البنية التحتية لتخزين البيانات التي تستند إليها هذه القدرات. وستكون المؤسسات التي تتعامل مع الاحتفاظ بالبيانات باعتباره قدرة استراتيجية، وليس مجرد ضرورة تشغيلية، في موقع أفضل لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي موثوقة ومرنة وقادرة على تحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل.
المصدر – جريدة الرياض
